الشيخ محمد زاهد الكوثري

218

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) [ المطفّفين : 15 ] والحجب للكفار عن رؤيته عذاب . فدلّ على أن المؤمنين غير محجوبين ، ولا يعذبون بعذاب الحجاب . فاعلم ذلك . ويدل على ذلك أيضا الأخبار التي قدّمنا ذكرها عند سؤال الصحابة مع قوله عليه السلام في دعائه إنه قال : « اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضر - أو مضر - ولا فتنة مضلة » وهذا أيضا تصريح من الرسول عليه السلام في جواز الرؤية ، وأنها غير مستحيلة ، لأنه لا يسأل صلى اللّه عليه وسلم في أمر مستحيل ، لا سيما بعد تقدم موسى عليه السلام في سؤال الرؤية ، وما كان منه ، فلو كانت غير جائزة أو مستحيلة لما سألها صلى اللّه عليه وسلم ، فلما سألها دل على الجواز ، وبطل ما قال أهل العناد . وباللّه التوفيق . ويدل على صحة جواز الرؤية إجماع الصحابة على جوازها في الجملة ، وإنما اختلفوا هل عجلها لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج أم لا ؟ على قولين ، ولو لم يقع الاتفاق منهم على جوازها ، لما صحّ هذا الاختلاف ، فلما وقع هذا الاختلاف فقال بعضهم : عجل ذلك له في الدنيا قبل الآخرة . وقال البعض : لم يرد دليل على الجواز في الجملة وأنه متفق عليه ، وإلا كان يقول لمن قال بأنها لم تعجل : فكيف تجوز الرؤية وهي مستحيلة عليه ، فلما لم يقل ذلك أحد منهم دلّ على إجماعهم على جوازها . فاعلم ذلك . ويدل على ذلك من جهة العقل : أنه تعالى موجود ، والموجود لا يستحيل رؤيته ، وإنما يستحيل رؤية المعدوم . وأيضا فإنه تعالى يرى جميع المرئيات ، وقد قال تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) [ العلق : 14 ] وقال : الَّذِي يَراكَ [ الشّعراء : 218 ] وكل راء يجوز أن يرى ؛ ولا يجوز أن تحمل الرؤية منه تعالى على العلم ، لأنه تعالى فصل بين الأمرين ، فلا حاجة بنا أن نحمل أحدهما على الآخر ، ألا ترى أنه سمى نفسه عالما ، وسمى نفسه مريدا ، ولا أن نحمل الإرادة على العلم ، كذلك لا نحمل الرؤية على العلم . فاعلمه . جواب آخر : وهو أن الصحابة سألوا الرسول عليه السلام : هل نرى ربنا ؟ فقال : « نعم » ولا يجوز أن يكون سؤالهم : هل نعلم ربنا أو يعلمنا ربنا ؛ فبطل قول من يحمل الرؤية على العلم ، ولهذا أجاب صلى اللّه عليه وسلم : « سترونه كما يرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب وكما ترى الشمس ليس دونها سحاب » يعني لا تشكون في رؤيته كما لا يشك [ من ] رأى القمر والشمس فيها ، فشبّه الرؤية بالرؤية في نفي الشك عن الرائي ، ولم يشبه المرئي بالمرئى . فاعلم ذلك . * * *